
لا أتذكر اللحظة الأولى التي تعرفت بها على أبي هيمان… ولكن أتوقع أنه جمعتنا ورشة عمل ، وهي الفعالية التي لا يمكن أن يفرط بها لو كان رئيساً لجمهورية! ؛ لأنه يرى أنها من المفاتيح السحرية للتعرف على أشخاص في دوائر مختلفة خارج محيطه المألوف.
بعد ذلك تواصل معي هاتفياً لمشروع قد رُسي على شركتهم، ولا يعرف يتعامل معه، فعرض علي أن أتعاون معهم في المشروع بمقابل مادي “كان لا بأس به حقيقةً” وفعلاً بدأت بمشروع ثم آخر ثم بات يتصل بي لأعينه للبحث عن شخص مناسب لمشروع آخر. وهكذا بدأت معه من ” أنت تعال بس دبرنا” إلى “ورى ما تجي تشتغل معنا وتطلع ذهب؟”. وهنا يكمن التحدي الحقيقي للإنسان هل يتبع شغفه ورغبته في صناعة قصة نجاح في العمل الحكومي أو الخاص والصعود للمناصب، حتى يصل إلى المستويات العليا، أو يكون خاضعاً لسطوة المال والثراء السريع.. حسناً كنت خاضعاً… ووقعّت مع شركته، وكنت من جملة السعوديين الذين بدأوا ينضمون تدريجياً للشركة.
عانت الشركة في بادئ الأمر من طريقة إدارة أبي هيمان للمشاريع والعمل الأشبه بأن الكل سكرتارية، وأنهم ينفذون ما يرغب فيه هو لا كما يفرضه المنطق والأسس العلمية، لذلك كانت التصادمات في بداية الأمر كثيرة، وكانت المشاريع التي تتفلت تزداد خطوة خطوة حتى جاءت لحظة المصارحة معه بالاستعانة مع من يثق بهم من الأصدقاء المتخصصين الذين أفادوه بأن ما يقوم به لا يمت للعمل بصلة، وأن الأسلم أن يبقى رئيساً لمجلس إدارة الشركة، ويحضر رئيساً تنفيذياً.. لم يستسغ المبدأ، فتحول إلى رئيس تنفيذي، وأخذ يبحث عن مدير للمشاريع… ووقع الاختيار عليه.. الحارث.
الحارث كان نابغاً في مجال الدراسات ولديه لغة إنجليزية قوية، ولديه الكاريزما القيادية والإقناعية في نفس الوقت، استطاع أن يقنع أبا هيمان بقدراته، وأن ينتزع منه لاحقاً نسباً من الشركة.
حوّل الحارث الموظفين إلى فرق عمل، وتحول العمل بالمشاريع إلى فرق صغيرة، فما يرأس مشروع1 يكون عضواً في مشروع 2 وعضواً في مشروع 3 ورئيساً لمشروع 4 وهكذا .. أحياناً تتزامن في الوقت ذاته توجه أمراً لشخص بعد خمس دقائق سيأتي الشخص، ويوجه لك الأمر لمشروع آخر.. حسناً تبدو العملية مليئة بالعبط.. ولكن أجزم لكم أنها كانت فاعلة جداً.. الكل يحس بالمسؤولية، والكل يعمل بالجهد ذاته، ففي النظام السابق أن المدير يحيل لمن تحته، وينتظر البقية حتى ينتهي الباحث من بحثه أو المحاسب من دراسته المالية، والتي لن ينهها في وقته بسبب تكدس المشاريع الواحدة تلو الأخرى… ولو جاء تعديل أو مناقشة سيتأثر المشروع الذي يليه وهكذا.
بعد الحارث انضم السكرتير علي، والمستشار الآخر ناصر، وعدد آخر من المقيمين العرب.. وبدأ الفريق يكبر، وبدأت مرحلة الخروج السريع للموظفين، فما إن ينضم موظف حتى يغادر بسبب عرض مالي لا يجارى، ومن هنا تفتقت ذهنية أبي هيمان بحلول جديدة، نسب في الشركة، والأغلب يأخذون نسباً كبيرة من أرباح المشاريع، فأصبح الراتب الشهري وإن كان ضعيفاً، إلا أنه يمتلئ شهراً بعد آخر بالأرباح المودعة بعد نهاية المشروع، ويبقى منها جزء يسير يجمع لنهاية السنة من أجل البونص، وطبعاً الأرباح هذه بونص، ولكن في عُرف أبي هيمان يجب على موظفي الشركات أن يأخذوا أرباحهم (البونص) في نهاية السنة… يصلح العيد بليا جريش؟ طبعاً لا، فلا يصلح العمل بليّا بونص… لذلك يبقى من أرباح كل مشروع نسبة بسيطة تجمع لنهاية السنة كي يستلمها الموظف طقة وحدة.