
بداية هذه الشركة تعود إلى عام 2010 تقريباً، وهي من ابتكارات مالك الشركة ومؤسسها ومستثمرها الرئيس (أبو هيمان) والتي جاءت استباقاً لاحتياج السوق المتكرر إلى شركات استشارية تقدم دعمه للجهات الحكومية بشكل رئيسي.
وهذا التعريف يجبرنا أن نُعرّف بأبي هيمان… فهو شخصية كان في الأربعينات من عمره، وأظنه الآن يرفل في الخمسينيات ويتعثر بها، تعليمه جامعي عادي… شخصية عادية جداً، يصف نفسه بأنه قرويّ… دلف إلى الوظيفة العامة في بداية حياته الوظيفية وهو لا يفصح لنا عنها ولا عن طبيعة عمله!، مسقط رأسه إحدى المحافظات القريبة من مدينة الرياض وهي مسقط رأس لعدد من الشخصيات المختلفة في قطاعات المجتمع المختلفة، لذا شكّل هذا منطلقاً أساسياً لبناء دائرة علاقاته الضخمة التي توسعت وأصبحت عباءة فضفاضة أولها عامل المغسلة في رأس الشارع وآخرها وزراء!.
لديه سمة بارزة، وأظنها سمة مشتركة بالقادة ورجال الأعمال عموماً، وهي الإحساس بالفرصة، لن أقول أن لديه حاسة سادسة مثل أي تعبير معتاد… بل أن لديه حواس خمس مضاعفة! بمعنى… أن لديه عيناً ولكن بالإضافة إلى أبصاره بها، إلا أن لديه درجة رؤية عميقة أشبه بالمايكرو… يلتقط التفاصيل الصغيرة، ينظر إلى ثقب في خيشة… يبصر الورقة الثانية التي بعد الغلاف مباشرة… عين تخترق ما يراه العامة، الناس ترى خبراً عادياً هو يقرأها فرصة غير عادية!
أما أذنه فهي مختبر تحليلي يخسأ أي معمل فيدرالي أن توازي قدرته السريعة في الالتقاط والتحليل في آن واحد، فيستمع لسالفة تظنها عابرة، ولكنها لا تعبر بسهولة من أذنه، سيحلل الكلام والموقف والقصة والأشخاص، وسيستنتج تماماً ما وراء هذه الكلمات، فذلك الوزير حينما رفض هذا المشروع لم يرفضه كفكرة، ولكنه رفضها لأسباب أخرى هو من سياق الحديث والمفردات والتعبير سيحللها، وكذلك سيسترق السمع لا تجسساً، ولكن أي شخص يطرح قصة أو موضوعاً أو معرفة بشخصية ما… إلا ووجدتها قد تأرشفت تلقائياً في دماغه، وسيحولها لإجراء عملي قريب.
وعليها فقس باقي الحواس… فهو يشمّ الفرصة وإن كانت بين عشرات الفرص ذات الرائحة الجذابة، ويتحسس الحدود والمساحات، فيعرف متى يضغط بشدة ومتى يلمّح إلماحاً، وبلا شك… سيتلذذ بطعم النجاح والأموال الوفيرة!
أبو هيمان الذي استطاع أن يتخلص من وظيفته الرتيبة بفضل الله أولاً ثم علاقته الشخصية التي أدخلته إلى أبواب التجارة المختلفة بدءاً بالعمل بالوساطة في المكاتب العقارية أو بيع السيارات والبيوت وفتح محلات تجارية وشراء معدات نقل وشحن وانتهاء بتملك العقار والأسهم.
فقد حدثني مرة أنه قبل عشرين سنة تقريباً سلّم على والد أحد أصدقائه وأثناء سلامه رمى له بجملة: اشتر في النرجس… وهذا ما كان، فقد تملك عدة أراضٍ هناك شكلت جزءاً من ثروته… وذات مرة حضر مجلساً ممتلئاً بمضاربي سوق الأسهم، فأخذ غنيمته من التوصيات، وأصبح يبيع ويشتري فيها حتى كوّن حقيبة أسهم لا تحملها أولي العصبة من الرجال.
وطالما كنت أتندر عليه حينما أسمع مثل هذه القصص وأقول له: أنت لست رجل أعمال أنت استغلالي… فيجيبني بلفظة المستنكر: بل انتهازي! وكأن الانتهازية تختلف عن الاستغلالية… جاهلٌ لكنه ثري!
في ليلة شتوية من ليال شهر نوفمبر 2009م، وبعد الانتهاء من وجبة العشاء دار نقاش أغلبه باللغة الإنجليزية – التي يجهلها أبو هيمان- فكان يسمع “الكونسلتنت”… جانا الكونسالتنت وعرض علينا الكونسالتنت … فاستفسر بشكل جاد عن هذا الكونسالتنت فأخبروه أنه شركة استشارية… فأعاد عليهم السؤال: وما هي الشركة الاستشارية أثابكم الله؟ فشرحوا له شرحاً وافياً مستوفياً كل نقاط الجهل والإبهام. فتخمرت الفكرة في ذهنه، وبات يعيدها في كل مجلس يدخله. فيطرح موضوع ظاهرة الكونسالتنت… ويعقبها بسؤال خفيّ: وهل هي مجدية مجال الاستشارات؟! ثم تنهمر عليه التعليقات والتي تصب في إجابة واحدة: أن السوق يحتاج.
وهكذا بعد ثلاثة أو أربعة أشهر من البحث والاستفسار وقياس الرأي العام… دلف لمقر وزارة التجارة ليستخرج السجل التجاري السابع والثلاثون له، وحدد نشاط الخدمات الاستشارية… واختار اسم (هتم “ولا تسألوني وش معناه… أنا اقتبسته من اسمه علشان أمشي الموضوع”.
وكان من الطرائف أن حملة الرئيس الأمريكي أوباما (Yes We Can) هي التي خلدت في ذهنه، وأصبح كلما خاض تحدياً جديداً وكثرت التساؤلات عن قدرته، واستطاعته تنفيذ ذلك، كان يردد: يس وي كان! وقد كان فعلاً!
وبدأت رحلة الاستقطاب والتوظيف لهذه الشركة، وكان من أوائل من استقطبهم مستشارون من جنسيات عربية “تحتفظ الصحيفة بأسمائها” وضعوا اللبنات الأولى لأسس الاستشارات وبلا شك استفادوا من القوالب والتجارب السابقة، ولم تخلُ تجاربهم الأولى من نكبات القص واللصق… ولكن كانت مرحلة التأسيس، ومنها انطلقنا لخطوات جديدة… قُسمت الخدمات الاستشارية إلى: إدارية، مالية، إعلامية، تسويقية.
الكل حرفياً عمل في الأقسام كلها عدا المالية… فقد كان ذلك خطاً أحمرَ يحذرنا منه أبو هيمان… وكانت فطنته وذكاؤه الفطري وراء ذلك، إذ كان يقول إن الاستشارات الإدارية والإعلامية والتسويقية فيها آراء تؤخذ وترد، وإن أخطأت تستطيع أن تخرج منها… لكن الاستشارات المالية تتعامل مع أرقام… فـ 1+1=2 حتماً وقطعاً… ولن تستطيع أن توجد عذراً أو اجتهاداً؛ لأنه لن يكون مقبولاً… هنا كانت الرسالة واضحة… نضبط الأمور المالية… ونبربس بالباقي.